المقريزي
27
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
النيل فاحتاج الناس إلى البذر ، وكانت الغلال تحت أيدي أهل الدولة وغيرهم كثيرة جدا لأمرين : أحدهما احتكار الدولة الأقوات ومنع الناس من الوصول إليها إلا بما أحبوا من الأثمان والثاني زكاء الغلال في سنة 786 . ونحن الآن في سنة 808 وفي عظيم البلاء ، وسب ذلك كله : ( 1 ) أصل هذا الفساد ولاية الخطط السلطانية والمقاصد الدينية بالرشوة . ( 2 ) غلاء الأطيان . ( 3 ) رواج الفلوس ( النحاسية ) . النزوح إلى العاصمة : وهناك ظاهرة النزوح إلى « عاصمة الدولة » مركز الحكم وبالتالي مركز السلطة والعلم والمال والعمران ، وهذا ما حصل على مر العصور ويحصل في الوقت الحاضر ، وكانت الديار المصرية وبلاد الشام دولة واحدة في هذه الفترة ، ثم إن البلاد الإسلامية كلها آنذاك كانت منفتحة على بعضها ولم يكن هناك عقبات أمام الانتقال أو السكن أو العمل في أي بلد . ومثال ذلك أنّ ابن خلدون أصبح قاضي قضاة المالكية في مصر بعد مدة قصيرة من قدومه إليها ، وكان المأخذ عليه عدم إلمامه بالظروف المحلية التي يحسن أن يعلمها القاضي . وأن الهروي أصبح قاضيا وكاتبا للسر يرأس ديوان الإنشاء ولسانه فيه عجمة . وأنّ كتاب السر في الديار المصرية كان معظمهم من بلاد الشام مثل بني فضل اللّه ثم بني البارزي ، أو من الكتابيين الذين أسلم آباؤهم القريبون مثل فتح اللّه . وكذلك الوظائف المهمة التي أشغلها من يماثلهم مثل سعد الدين ابن غراب وأخيه ماجد ابن غراب . وجميع السلاطين ليسوا من البلاد المصرية . أما قضاة القضاة وهم أربعة حسب المذاهب ، فمعظمهم من أهل مصر ، ولكن كان القاضي ينتقل في وظيفته من القاهرة إلى دمشق أو بالعكس وخير مثال ابن حجر العسقلاني وبنو جماعة وآل السّبكي وآل العديم .